سياسة

لماذا قضية أساتذة الجامعة سياسية وتعني التلامذة بالدرجة الأولى؟

د. جمال واكيم

لا يمكن فصل قضية الجامعة اللبنانية والهجوم الذي يتعرض له أساتذتها، عن مسعى النخبة السياسية لتصفية مؤسسات الدولة بالكامل. فهذه النخبة السياسية تعتمد نموذجا نيوليبراليا يقوم على تقليص دور المؤسسة العامة الى أقصى حدود، وهو النموذج الذي بدأ بتعميمه الأميركيون في العالم منذ بداية السبعينات من القرن الماضي.

فالولايات المتحدة، التي تسيطر عليها نخبة من كبار الاثرياء، وجدت أنه لتحقيق سيطرة كاملة على الثروة في العالم، فإنه كان عليها تقليص دور الدول في المجتمع حتى يتسنى لها الاستحواذ عبر الخصخصة على المؤسسات العامة في هذه الدول تحت شعار تفعيل انتاجية هذه المؤسسات. ولقد طبق هذا النموذج في مختلف بلدان العالم بدرجات، ما أدى الى صعود العولمة خصوصا بعد انهيار الإتحاد السوفياتي في العام 1991.

ولم يكن لبنان بمنأى عن اعتماد هذا النموذج النيوليبرالي الذي مر بمراحل كانت الحرب الأهلية ابرز محطاتها. فخلال هذه الحرب تم ضرب مركزية الدولة لحساب مزيد من تطييف المجتمع. فبات عندنا بنهاية الحرب 4 طوائف تتقاسم البلاد حصصا لها.

ولقد بدأ هذا التقاسم بتوزيع مؤسسات الدولة على الطوائف، فرئيس الجمهورية ماروني ورئيس الحكومة سني ورئيس مجلس النواب شيعي. وإن كانت هذه المعادلة قائمة منذ الاستقلال في العام 1943، إلا أنه مع دولة الطائف تم اختصار الدولة بترويكا بين الرؤساء الثلاثة، فيما كان المندوب السامي غازي كنعان هو الحكم في تنازع الرؤساء الثلاثة. وأصبح للطوائف أجهزة أمنها الخاصة، فالأمن العام للشيعة وفرع المعلومات للسنة وأمن الدولة للموارنة. وانعكس ذلك على باقي مؤسسات الدولة.

ولم تكتف الطوائف بذلك بل هجمت على المجتمع تتوزعه حصصا عبر تكوين مؤسساتها الخاصة. فبات لكل طائفة مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية. وتبع ذلك فرز ديموغرافي بما عزز الفرز الديموغرافي في البلاد التي اصبحت مجموعة غيتوات طائفية، لكل منها ممراته وأمنه الخاص وكأنه عالم معزول عن محيطه.

وقد استفادت من هذه المعادلة الطبقة الثرية التي توزعت البلاد أسهما في أسواق ريعية خلقتها. فكانت هي التي تملك مدارس الطوائف وجامعاتها وشركاتها وعقاراتها. وكما اختصر القرار السياسي بترويكا، فلقد اختصر القرار الاقتصادي في البلاد بقلة من الاثرياء يصيغون مصير البلاد والعباد. هذا يفسر وجود مندوب سام اقتصادي هو رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان، بالتوازي مع المندوب السامي السياسي الذي ذكرناه آنفا. وإن كان ذلك المندوب السامي قد رحل، فإن المندوب السامي الاقتصادي لا يزال باقيا وراعيا لمصالح الطبقة الاقتصادية النيوليبرالية في البلاد.

ولقد أبقت هذه الطبقة الاقتصادية على السياسات الريعية القائمة على المضاربات المالية والعقارية على حساب القطاعين الصناعي والزراعي. وكجزء من سياسات الخصخصة تم اهمال المدرسة الرسمية لحساب المدارس الخاصة التابعة للطوائف. كما تم اهمال الجامعة اللبنانية لصالح قيام عشرات الجامعات الخاصة التي لا يراعي الكثير منها المعايير الاكاديمية المطلوبة، مطبقة معيارا واحدا هو “ادفع تنجح”. اما السبب الذي حدا بالناس لقبول هذه المعادلة فهو حاجتهم لورقة الشهادة حتى يحصلوا على فيزا يخرجون فيها من لبنان بحثا عن فرص عمل في الخارج، نتيجة ضرب سوق العمل بسبب سياسات الطبقة الاقتصادية.

ومؤخرا ارادت الطبقة السياسية الحصول على مزيد من القروض فتوجهت الى “الشحاذة” من سيدر. وكالعادة فإن المقرضين الذين يعتمدون ايضا السياسات النيو ليبرالية طلبوا من جهابذتنا خصخصة قطاعات واسعة في الدولة وبيع مرافق الدولة بذريعة تقليص الانفاق. فبدأت حملات على العديد من المؤسسات العامة بحجة عدم انتاجيتها، متجاهلين حقيقة أنهم هم من اوصلوها الى هذا الحد بنية خبيثة تدفع الى بيعها على ان يشتروها هم بأبخس الاسعار، تماما كما حصل سابقا مع قطاع النفط وقطاع الاتصالات.

وكخطوة أولى نحو ضرب الجامعة اللبنانية قرروا وبذريعة تقليص النفقات المساس بمعاش استاذ الجامعة، فإذا بهم في نفس الوقت يقررون اعفاء انفسهم من الضرائب على يخوتهم وسياراتهم وعقاراتهم وشركاتهم. وفي محاولة لتطويع الاساتذة بدأوا يشنون حملات تشويه بحق الاساتذة الجامعيين وبتأليب الطلاب عليهم بسبب الاضراب. لكن ما لم يقولوه هو أن الهجوم على الاساتذة الجامعيين هو الخطوة الأولى للهجوم على جميع الموظفين في القطاع العام، بمن فيهم اهل الاف الطلاب الذين يعملون في هذا القطاع. وهم ينتظرون نتائج اختبار عزم اساتذة الجامعة لينتقلوا بعدها الى الضمان الاجتماعي والنقل والمدارس الرسمية وحتى الجيش وقوى الأمن المختلفة.

لذلك فإن تضامن الطلاب مع الاساتذة هو بالدرجة الأولى دفاع عن القطاع العام واهل هؤلاء الطلاب العاملين في القطاع العام. كذلك هو دفاع عن فرص التعليم العادلة للجميع خصوصا في ظل ضعف قدرة الجامعات الخاصة الاستيعابية وارتفاع اكلافها بالنسبة للطلاب ناهيك عن ضعف مستواها بالمقارنة مع الجامعة اللبنانية. وفي هذا الاطار اعتقد انني يمكن ان اتحدث بثقة خصوصا أنني تخرجت من الجامعتين الاميركية واليسوعية وجامعة مكغيل في كندا وهي من احسن الجامعات في الشرق الاوسط والعالم. وأعرف ان المستوى في الجامعة اللبنانية لا يقل جودة عن مستوى هذه الجامعات التي تصنف درجة أولى. كما أعرف ان مستوى الجامعة اللبنانية يفوق بمراحل مستوى الجامعات الخاصة الأخرى التي لم اذكرها وهذا ما يجعل شهادتها معترفا بها في أوروبا وأميركا الشمالية وغيرها من مناطق العالم.

لقد باتت الجامعة اللبنانية مؤخرا خط الدفاع عن القطاع العام. وبالتالي فلقد بات الدفاع عنها هو الخطوة الأولى للدفاع عن مؤسسات الدولة خصوصا أن 90 بالمئة من العاملين في الجيش والقوى الأمنية والقضاء والادارة العامة هم خريجو الجامعة اللبنانية. ولقد بات الدفاع عن القطاع العام هو الأساس في تجاوز الأزمة الاقتصادية التي اوصلتنا الطبقة السياسية والاقتصادية اليها. والجدير ذكره أن معظم الدول الغربية بدأت بعد ازمة العام 2008 الاقتصادية تتراجع عن مشاريع الخصخصة التي دخلت بها وتعيد الاعتبار للقطاع العام. فعسى ان لا ننصاع لسياسات نخبتنا الاقتصادية والسياسية الذين طعمهم الله الحجة والناس راجعة، وعسى ان ننجح في الدفاع عن الجامعة اللبنانية ومعها القطاع العام وبالتالي الدفاع عن الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق