أعمال وأموال

غداإذاانهار اقتصاد لبنان


حسين إبراهيم

أما وقد لاحت علائم التسوية الحكومية في لبنان، وأثار ذلك بعض الارتياح لدى اللبنانيين، بأن قواهم السياسية غلّبت أخيرا العقل على العصبيات، فإن طريقة التشكيل لا توحي بأن البلد سيدار في الفترة المقبلة، بعقلية تختلف عما كان يحصل في السابق.

واذا كان هذا هو الحال، فإن اللبنانيين سيستفيقون سريعا على المشكلات المستعصية  التي تتفاقم يوما بعد يوم. من الكهرباء الى الماء الى النفايات والبطالة والغلاء الى كل السيمفونية التي حفظها الناس.

الاقتصاد في لبنان سائر الى الانهيار. الاهتراء والفساد يأكلان الدولة والمجتمع. البنوك لا تقوم بوظيفتها الاصلية، اي الاقراض للمشاريع والاسكان إلا لماما. وانما تسعى لاقتناص الدولارات، سواء باقناع المودعين بتحويل دولاراتهم عندها الى ليرات لبنانية مقابل فوائد مجزية، او بايداع اموالهم لديها لاجال طويلة بالدولار ، تنفيذا لسياسة البنك المركزي الذي يريد الدولارات لتغطية العجز في ميزان المدفوعات، والحفاظ على سعر صرف الليرة.

البنوك لا تدفع ما عليها من واجبات ضريبية لقاء المساحة الاستثمارية والحماية الأمنية، التي توفرها لها الدولة او الوطن فضلا عن أن الدولة اللبنانية هي أكبر زبون لها على صعيد الاستدانة وبفوائد مجزية جدا. 

في غالبية دول العالم ومنها جميع الدول المتقدمة، لا تقل الضريبة على ارباح المصارف عن ٣٠ في المئة، بخلاف الضرائب على ارباح كبار المودعين من الفوائد. أما في لبنان، فقامت قيامة المصارف عند رفع الضريبة على ارباحها من ١٥ الى ١٧ في المئة، للمساهمة في تمويل سلسلة الرتب والرواتب.

هذه السلسلة (العادلة لفئة من الموظفين ولا سيما عسكريو الجيش والقوى الأمنية) بدورها جعلت لبنان امام نموذج اليونان. دولة مفلسة تمنح موظفيها اعلى الرواتب والتقديمات بمقاييس تفوق ما هو مطبق في أرقى الدول كالسويد. اثقلت السلسلة الخزينة اللبنانية بعبء دين جديد ثقيل، وارهقت المواطنين الاخرين غير المستفيدين منها. ومع ذلك فلم يجرؤ احد على معارضتها لدواع انتخابية، كون كتلة الموظفين اللبنانيين ولا سيما اساتذة التعليم الرسمي بكل مستوياته (الأقل استحقاقا للزيادة)، هي كتلة حاسمة في الانتخابات تصويتا، فضلا عن كونها تمثل الجهاز الاداري المشرف على الانتخابات (رؤساء اقلام الاقتراع) مع ملاحظة ان اقرار السلسلة سبق بأشهر قليلة، الانتخابات التي جرت في ايار ٢٠١٨، بعد تسع سنوات من التمديد والتجديد.

كتلة الموظفين هذه هي التجمع الاكثر تنظيما في البلاد، والذي لا يتوخى الا الربح، ولو على حساب الاكثر فقرا. وتشكل المنفعة المسيلة للعاب رابطا قويا بين عناصره المتناقضة عادة. فقد تحالف على المطالبة بها اقصى اليسار (ممثلا بحنا غريب الذي اصبح الان امينا عاما للحزب الشيوعي) مع “المستقبلي” نعمة محفوظ.

تمويل السلسلة لم يأت من البنوك التي اذا زيدت عليها الضرائب زيادة طفيفة، حصلت على هندسات مالية تعوضها ما خسرته، ولا من تسوية الاعتداءات على الاملاك البحرية. بل جاء معظمها من جيوب من ليس لديهم اي عمل، و من ليس لديهم اي شكل من اشكال التغطية الصحية. 

لقد تحالفت الطبقة السياسية اللبنانية كلها، مع البنوك و”لوبي” الاساتذة، فحصلت الاولى على ما ارادته في الانتخابات، واعفت البنوك التي تكاد تكون هي من يدير البلد، نفسها من تحمل اي أعباء، ونال الموظفون الرسميون اكثر بكثير مما يستحقونه بالزودة والتقديمات، على حساب المواطن الفقير المسحوق.

غدا اذ انهار الاقتصاد وفقد مصرف لبنان قدرته على الدفاع عن الليرة، ستعود القوة الشرائية للرواتب الى اقل مما كانت قبل السلسلة، ويكون الاساتذة (لماذا لم يجر أحد مقارنات بين رواتب واداء الاساتذة في لبنان وفي باقي دول العالم؟) قد جنوا على باقي اللبنانيين.

وغدا اذا انهار البلد، فلن تجد المصارف دولة تحميها ومواطنين يدفعون لها الفوائد وبدلات الخدمة التي لا مثيل لها في كل العالم.

وقد لا تجد الطبقة السياسية بلدا تجري فيه انتخابات، ولا شعبا ينتخبها. سيكون قد هاجر منه من هاجر ومات من مات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق