سياسة

صفقة القرن: الأردن في عنق الزجاجة

مجدولين درويش

تتعرض المملكة الأردنية الهاشمية لضغوط أميركية لحملها على تمرير “صفقة القرن”، وتوطين الفلسطينيين على أراضيها، والتخلي عن “الوصاية الهاشمية” على المقدسات الإسلامية في القدس لصالح المملكة العربية السعودية أو تركيا وربما المغرب.

بدأت الوصاية الهاشمية على مقدسات القدس عام 1924، للشريف حسين في ما عرف بـ“بيعة الشريف”، بموجب قانون أقره الانتداب البريطاني. انتقلت هذه الوصاية في سنوات لاحقة إلى قيادات محلية فلسطينية، وبعد حرب 1948، عندما أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني، عادت الوصاية إلى الأردن لتستمر حتى يومنا هذا. وقد شملت الوصاية الهاشمية المقدسات المسيحية أيضاً، إذ شارك عبد الله بن الحسين الأول، مؤسس المملكة، في إخماد حريق كاد يدمر كنيسة القيامة في العام 1949.

تعترف حكومة السلطة الفلسطينية بوصاية الأردن على هذه المقدسات، وجددت اعترافها من خلال توقيع اتفاقية مع ملك الأردن في 31 آذار 2013. وكانت سلطات الاحتلال تعترف بها، مجبرة على هذا الأمر، ذلك أنه وبموجب القانون الدولي، لا يمكن للاحتلال انتزاع حق الملكية.

وقع الأردن مع إسرائيل اتفاقية “وادي عربة” في العام 1994، والتي أكدت على الوصاية الإردنية للمقدسات.

تتضمن من المادة التاسعة من هذه الاتفاقية ما يلي:

1-يمنح كل طرف للطرف الآخر حرية الدخول للأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية.

2-تحترم إسرائيل الدور الحالي الخاص للمملكة في الأماكن المقدسة، وعند انعقاد مفاوضات الوضع النهائي ستولي إسرائيل أولوية كبرى للدور التاريخي الأردني في هذه الأماكن.

3-يقوم الطرفان معاً بالعمل على تعزيز حوار الأديان التوحيدية الثلاثة بهدف بناء تفاهم ديني والتزام أخلاقي وحرية العبادة والتسامح والسلام.

وإذا أمعنا النظر في بنود هذه المادة تبين لنا أنه ومنذ توقيع اتفاقية “وادي عربة”، فإن بساط الوصاية قد بدأ ينسحب من تحت أقدام المملكة الأردنية. إذ إن احترام الدور الحالي للوصاية الهاشمية، لا يشبه في شيء حقها القانوني في ذلك.

وبسبب استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأقصى وما ترتب عليه من ردود فعل فلسطينية وإسلامية فقد تم التوصل إلى صيغة اتفاق بين الأردن وإسرائيل، برعاية أميركية، حول الأقصى بتاريخ 24 تشرين الأول 2015، أكدت صيغة الاتفاق على احترام الدور الأردني، إلا أنها أكدت أيضاً على حق غير المسلمين بمن فيهم اليهود بزيارة المسجد الأقصى، مما يعني تحويل زيارة المستوطنين اليهود إلى حق مشروع.

يسعى الاحتلال الصهيوني من خلال “صفقة القرن” لسحب الوصاية الهاشمية عن المقدسات في فلسطين، وهذا ما ترفضه المملكة الأردنية رسمياً وشعبياً، إذ إن هذه الوصاية أمر بالغ الأهمية بالنسبة للأردنيين، وهي مصدر من مصادر شرعية نظام الحكم. يحول دون ذلك إمكانية حدوث أزمات سياسية بين الأردن وإسرائيل، لا يرغب الطرفان في حدوثها في الوقت الراهن على الأقل. كما يسعى الاحتلال أيضاً، ومن خلال الصفقة نفسها، إلى توطين الفلسطينيين في الأردن، وهذا أيضاً أمر مرفوض لما سيترتب عليه من تداعيات سلبية على المملكة، إذ تبلغ نسبة السكان الفلسطينيين الحالية في الأردن 60%، وهي نسبة عالية جداً، فكيف سيكون الوضع إذا ما تمت إضافة مليون فلسطيني جديد على هذا التعداد؟ أقل ما يمكن قوله هو تحويل الشعب الأردني إلى أقلية ضئيلة في بلاده؟ فهل يستطيع ملك الأردن الذي أرسى معادلة “الأردن هو الأردن وفلسطين هي فلسطين” الصمود في وجه رياح “صفقة القرن”، ويكون بتمسكه بحق الوصاية حجر عثرة في طريق تمريرها؟

الأردن فعلاً في عنق الزجاجة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق