المحلل العربي

مرحلة الخمسينات والستينات في مصر والمشرق العربي

مقاربة بديلة لفهم تاريخ العرب المعاصر

د. جمال واكيم

هذه المرحلة مهمة جداً في تاريخ العالم العربي، إن فاتحة مرحلة الخمسينات ستكون بالدرجة الأولى قضية فلسطين ولكن ستطبع أيضاً في صراع ما بين مصر ومعها المملكة العربية السعودية في مواجهة العراق، وستكون سوريا هي ساحة هذا الصراع.
إن أساس دينامية هذا الصراع ما بين مصر والعراق والسعودية ستكون مرتبطة بالدرجة الأولى بإلغاء مصطفى كمال للخلافة عام 1924 من ناحية وطموح هاشميي العراق بالخلافة من ناحية أخرى، لأن هذا سيدعم من شرعية حكمهم ويزيد من تأثيرهم السياسي في المنطقة العربية.
في نفس الوقت، هذا حفز المصريين، وتحديداً الأسرة العلوية أسرة محمد على والملك فؤاد، بأن يطالبوا بالخلافة لأسرتهم، فربطوا الأسرة بنسب الرسول وبالبيت الهاشمي وهذا يؤدي إلى مشروعية في الحكم من وجهة نظرهم.
كان عبد العزيز آل سعود يقف في صف مصر، خصوصا بعدما كان قد أعلن قيام المملكة 1932، ونحن نعلم بأن الملك عبد العزيز آل سعود كان على صراع مع الهاشميين وهو انتزع منهم الحجاز والذي كان يُعتبر ملكاً للهاشميين. وهو كان يخشى من نفوذ الهاشميين لاستعادة الحجاز من ناحية ومن ناحية أخرى التأثير بنطاق حكمه في منطقة نجد، لذلك مال للمصريين.
من هنا، في النصف الثاني من الأربعينات، وبعد استقلال لبنان وسوريا من الانتداب الفرنسي وخروج ذلك الإنتداب من المنطقة، وإقامة الجامعة العربية في 1945، كان الجميع تحت المظلة البريطانية، ولكن كل من مصر والسعودية كانتا تحاولان الابتعاد عن المظلة البريطانية وإقامة علاقات مع الأمريكيين، ونذكر على سبيل المثال اللقاء بين الملك عبد العزيز آل سعود والملك فاروق والرئيس الأميركي تيودور روزفلت في قناة السويس. وكان المفصل في تحفيز التنافس بين الأطراف التي ذكرناها هو النكبة في فلسطين. الكثيرون يتحدثون عن النكبة وعن نظرية المؤامرة وخيانة العرب وما إلى ذلك، ولكن يجب أن نفهم الظروف التي حدثت فيها هذه النكبة، أولاً كان الصهاينة قد وطدوا وضعهم في فلسطين وكان تعدادهم آنذاك قد قارب سبعمائة ألف 700000، وكانوا يتمركزون في منطقة الجليل وعلى منطقة الساحل، في ذلك الوقت، كان الكثير ممن أتوا بعد الحرب العالمية الثانية والذين كانوا قد شاركوا إلى جانب الحلفاء ضد النازيين. وبالتالي كانوا محترفين كمقاتلين عدا عن أن الصهاينة كان لديهم قوة تحشيد عالية للمتطوعين، بينما الجيوش العربية كانت في بداياتها وكانت تعتبر جيوشا غير محترفة.
أما بالنسبة لأنظمة الحكم، فقد كانت كلها تحت الهيمنة البريطانية. ونحن نعلم أنه كان هناك دوائر صهيونية قوية في بريطانيا تدعم الصهاينة، عدا عن الدعم الذي كان يلقاه الصهاينة من قبل الأميركيين والاتحاد السوفياتي، الأميركيون بحكم نفوذ اللوبي الصهيوني هناك، والاتحاد السوفياتي حيث كان هناك للصهاينة نفوذ قوي داخل الحزب الشيوعي وأيضاً كان الاتحاد السوفياتي يعتبر أن المنطقة بأكملها تحت التأثير البريطاني، وأن إسرائيل يمكن أن تشكل خرقاً من قبل الجماعة وهي تميل للاتحاد السوفياتي وبالتالي هكذا نُظر إلى الصهاينة. على صعيد التحشيد، استطاع الصهاينة حشد مئة ألف مقاتل في ذلك الوقت، أما الجيوش العربية فكان تعداد جيشها حوالي ثلاثين ألف مقاتل من مصر، العراق، سوريا، لبنان، الأردن والسعودية. وكان هنالك جيش من المتطوعين بقيادة المناضل الذائع الصيت فوزي القاوقجي وكان تعداده 2000 مقاتل. في المرحلة الأولى، حققت الجيوش العربية نجاحات ولكن فُرضت عليها الهدنة من قبل منظومة دولية معادية لها، وبعد ذلك استطاع الصهاينة الحصول على السلاح والتقدم على معظم الجبهات واستطاعوا احتلال 80% من أراضي فلسطين وطرد معظم السكان من القرى والبلدات، هذا الأمر أدى إلى مذابح في يافا واللّد، وبعض المدن والقرى العربية، ومذبحة دير ياسين الشهيرة.
هنا، ونتيجة للنكبة، بدأت تتحرك فئات جديدة في العالم العربي، أساسها من ضباط الجيش، أكان ذلك في سوريا أو في مصر، وكان ترهل بنى الأنظمة هو من خلق أزمات حكم في الدرجة الأولى في العراق وفي مصر، وبمحصلة ذلك حصل انقلاب عسكري قاده جمال عبد الناصر في مصر، كان الهدف من هذا الانقلاب مكافحة الفساد، وهذا هو العنوان الأساسي للانقلاب، إضافة إلى إقامة نظام حكم ديموقراطي. لكن تبين لعبد الناصر ومن معه أن الأمور ليست بتلك السهولة، وأن هنالك منظومة حكم يجب تغييرها، بدأ عبد الناصر بالنضال على جبهتين، الجبهة الأولى مكافحة القوى المهيمنة السياسية وأساسها عائلة الأقطاع الزراعي، والجبهة الثانية البريطانيين.
كان هنالك قوى وقفت ضد عبد الناصر في مسعاه، من ضمنهم الشيوعيون والأخوان المسلمون، ولم يكن لديه حزب، فتحول الجيش إلى الحزب الحاكم، وحاول بعد ذلك إقامة أحزاب، مثل حزب الاتحاد الاشتراكي، وحزب اتحاد قوى الشعب العامل وذلك ليشكل نوع من حزب يقود المجتمع، طبعاً كانت هذه بمثابة تجارب محدودة على الصعيد السياسي.لكنه استطاع القيام بتحول اقتصادي في مصر، أولاً عبر التأميم والإصلاح الزراعي وثانياً عبر دفع منظومة التصنيع وإجراءات إشتراكية ضربت الرأسمالية المصرية، كل ذلك أدى إلى تغيير في بنية الحكم وإرساء قواعد قوى كامنة في مصر.
ورث عبد الناصر التنافس مع هاشميي العراق عمن سبقوه. وكان العراق آنذاك تحت الهيمنة البريطانية، كان عبد الإله وهو الوصي على الحكم ونوري السعيد رئيس الوزراء تابعين لبريطانيا، وكان التنافس على سوريا. جرت عدة انقلابات في سوريا، كان جزء منها مدعوماً من مصر والسعودية من ناحية، والجزء الآخر كان مدعوماً من العراق من ناحية أخرى.
كانت مصر والسعودية تدعمان الجماعات القومية العربية وحزب البعث، بينما دعم العراق الحزب السوري القومي الاجتماعي، وصولاً إلى توجه عبد الناصر لتشكيل مؤتمر عدم الانحياز مع نهرو و تيتو والتي دفعت بحركة التحرر العالمية وتحرير دول العالم الثالث من الاستعمار. رفض عبد الناصر الدخول في الأحلاف مثل حلف بغداد والذي رأى فيها هيمنة جديدة والتي تستبدل الاستعمار القديم باستعمار جديد. هنا اصطدم عبد الناصر بالبريطانيين والأميركيين والهاشميين في العراق. كانت نتيجة ذلك سحب الأميركيين والبريطانيين عرض تمويل السد العال، فكان رد عبد الناصر بتأميم قناة السويس.
عندها، اتفقت بريطانيا، فرنسا وإسرائيل على شن عدوان على مصر خصوصاً أن مصر بدأت تدعم حركات التحرر الوطنية في شمال أفريقيا، تونس، الجزائر والمغرب. شكّل هؤلاء نوعاً من حلف وشنوا عدواناً ثلاثياً في أكتوبر على مصر، ولكن العدوان قد فشل، ونتيجة هذا العدوان، خرج عبد الناصر أقوى مما كان، وأصبح زعيماً للعالم العربي، وبذلك استطاع مد نفوذه، ودعم القوى الوطنية في سوريا ضد القوى المدعومة من العراق والبريطانيين. في تلك الفترة، كان هناك تهديداً بغزو تركي لسوريا التي كانت حليفة للعراق آنذاك، الأمر الذي دفع بالضباط السوريين للمجيء إلى مصر وطلب قيام وحدة بين مصر وسوريا. فاستجاب عبد الناصر وقامت الوحدة في شباط 1958.
ونتيجة هذه التحولات الجيوسياسية، كانت فرنسا قد سبق واضطرت في العام 1956 لإعطاء الاستقلال لتونس والمغرب، استعر النضال الجزائري للتحرر من الاستعمار الفرنسي في نفس الوقت قام ضباط قوميون وشيوعيون في العراق بالثورة على الملكية في تموز 1958. وكان عبد الناصر قد تقارب مع الاتحاد السوفياتي فأدى ذلك إلى إنهيار الحكم الهاشمي هناك وإقامة تحالف بين الضباط القوميين والشيوعيين، لكن سرعان ما ظهر الخلاف بين الشيوعيين الذين كان يدعمون عبد الكريم قاسم والقوميين الذين كانوا يدعمون عبد السلام عارف، ونُكّل بالقوميين فاختلف عبد الناصر مع عبد الكريم قاسم.
في ذات الوقت، وبعد الإطاحة بالهاشميين في العراق، كان قد بدأ الملك عبد العزيز آل سعود يشعر بالخطر من النفوذ المتصاعد لعبد الناصر فحاول الانقلاب عليه، ومحاولة اغتياله عبر دفع مبالغ مال لبعض الضباط لإسقاط طائرته المتوجهة إلى دمشق، فاستعرّ الخلاف بين مصر والسعودية، وصولاً إلى الثورة اليمنية في عام 1962، ودعم مصر للثورة اليمنية، ودعم السعودية للامامة الزيدية في اليمن الشمالي، في هذا الوقت، كانت سوريا قد دخلت تحت مظلة الوحدة.
وفي لبنان، كان كميل شمعون المدعوم من البريطانيين قد أطيح به، كان يأمل بأن يُجدد له، ولكن أتي بفؤاد شهاب بتسوية بين الأميركان وعبد الناصر، هذا فيما يتعلق بلبنان.
في هذا الوقت، ظهر نجم اشخاص جدد في لبنان مثل كمال جنبلاط حليف مصر، ورشيد كرامي الذي تربطه علاقة وطيدة مع مصر، وهو ذو توجهات قومية. في العام 1962 انتصرت الثورة الجزائرية نتيجة لدعم عبد الناصر واستقلت الجزائر. أما في منطقة الخليج، فقد بدأت المطالبات بالنضال لاستقلال عن بريطانيا، حتى وصل الأمر بريطانيا إلى أصدر الاعدام لبعض المشايخ من آل القاسمي.
لقد استطاع عبد الناصر بفضل جهوده، تغيير خريطة العالم العربي وتحرير هذا العالم من الاستعمال القديم. الأمر الذي جعل من شخصية عبد الناصر شخصية محورية في ذلك الوقت، وسيبقى الوضع على ما هو عليه حتى 1964 ليشهد فيما بعد تحولات بنيوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق