مقالات

قراءة أولية في حكم المحكمة الخاصة باغتيال الحريري [2/2]: القضاة «يتهمون» المدعي العـام بـ«الفشل» و«الإخفاق»

إن تثبيت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لبراءة ثلاثة من المتهمين الأربعة لا يدل على صوابية عملها ولا على إخفاقات مكتب المدعي العام فيها. كما أنه لا يدل على تسييس عمل المحكمة ولا على عكس ذلك. بل إن ما يفترض أن يستدعي الاهتمام هو كيفية عمل المحكمة منذ إنشائها وإذا ما كان مكتب المدعي العام والقضاة والمحامون قد قاموا بالمهامّ التي كُلفوا بها قانونياً على أكمل وجه وبطريقة مهنية وأخلاقية تدل على كفاءة عالية وبحث جدي وصادق ومسؤول عن الحقائق.

في نص الحكم الذي أصدرته المحكمة يوم 18 آب 2020، وردت عبارة «إخفاق» أو «فشل» (Failure) أكثر من 173 مرة، للإشارة الى إخفاقات مكتب المدعي العام الذي تقاضى القسم الأكبر من ميزانية المحكمة الخاصة بلبنان منذ انطلاق عملها عام 2009. يعني أن لبنان سدّد مئات ملايين الدولارات ليحصد ما عدّه قضاة المحكمة أنفسهم «إخفاقات».
في ما يأتي، نعرض أبرز الإخفاقات التي تكشف أن عمل مكتب المدعي العام افتقد الى الدقة والاحتراف، كما أن المحكمة بقضاتها ومحاميها والمحققين والموظفين تصرّفوا خلافاً لمبدأ «اقتصاد العدالة» (judicial economy) الذي يقتضي تجنب صرف الأموال مقابل إجراءات وأعمال ومهام لا تتطلبها شروط المحاكمة العادلة.

1- خبير غير خبير

اعتمد مكتب المدعي العام على خبير اتصالات يدعى دونالدسون. وعرض هذا الأخير تقارير بمئات الصفحات تضمنت تحليلات عن الهواتف المنقولة والشبكات المزعومة مستنداً اليها لتبيان ضلوع المتهمين الأربعة في اغتيال الحريري. لكن تبين لقضاة غرفة المحاكمة أن « لا خبرة لدونالدسون في تحليل أفضل دائرة جغرافية لالتقاط الهواتف (بهدف تحديد مكان وجود الهاتف في وقت محدد)» (الصفحة 99 الفقرة 340). وسمحت المحكمة لدونالدسون تقديم إفادته غير أنها اشترطت أنه «لا يحق له بأن يحسم بأن هناك تزامناً مكانياً للهواتف وبالتالي لا يحق له بأن يدعي تحديد مستخدمي الهواتف» (الصفحة 99 الفقرة 341). وبالتالي، بالرغم من الميزانية الضخمة المخصصة لمكتب المدعي العام والتي تسمح له بالإتيان بأفضل الخبراء الذين لديهم أهم الخبرات بهذا الموضوع، فشل المدعي العام في ذلك وفضل تعيين «خبير» بلا خبرة كما وصف في نص الحكم.

2- المجهولون الـ13

جاء في نص الحكم أن المدعي العام زعم أن شخصاً مجهولاً (س 6 وحرف س/S يدل على SUSPECT أي مشتبه فيه) كان برفقة المتهم سليم عياش عندما اشترى شاحنة الميتسوبيشي (الصفحة 40 الفقرة 151). كما زعم المدعي العام أن هناك 13 مشتبهاً فيهم إضافة الى س6، وهم س5 وس7 وس8 وس9 وس10 وس11 وس12 وس13 وس14 وس18 وس19 وس23 (الصفحة 11) غير أنه بعد مرور 15 سنة من التحقيقات الجنائية وصرف مئات ملايين الدولارات عجز المدعي العام الدولي عن تحديد هوية أيّ من هؤلاء الأشخاص كما عجز عن تقديم أي معلومات صحيحة عنهم.

3- عدم التوسع في التحقيق

في نص الحكم دلائل واضحة تشير إلى إخفاق المدعي العام والمحققين التابعين له على المستوى المنهجي والمهني من خلال عدم التوسّع في التحقيق بشأن فريق الأمن الذي كان مكلفاً حماية الرئيس رفيق الحريري. حيث جاء في نص الحكم أنه «لأجل اغتيال يحظى بحماية مشددة مثل الحريري، يجب جمع كمّ كبير من المعلومات بشأن عاداته وعادات المكلفين حمايته، المرافقين والموكب وأمنه الخاص وعناصر قوى الأمن الداخلي المكلفين حمايته كرئيس سابق للحكومة» (الصفحة 1562 الفقرة 4686).

4- تراجع عن رواية «شرق المطار»

بعد عرضه مزاعم عن «أنشطة» جرت قبل وقوع الجريمة في منطقة تقع شرق المطار (في الضاحية الجنوبية لبيروت) وكان يسعى يومها الى الإشارة عن تفخيخ شاحنة الميتسوبيشي هناك، تراجع المدعي العام وفريقه عن هذه المزاعم لأنه فشل في جمع الإثباتات والأدلة التي تخوّله عرض مزاعمه على غرفة الدرجة الأولى. وجاء في نص الحكم «لا توجد أدلة تشير الى أن المتفجرات التي استخدمت في الهجوم نُقلت من شرق المطار» (الصفحة 40 الفقرة 150).

5- الهاتف ليس لصبرا

إن أحد مزاعم المدعي العام في سعيه الى إدانة السيد أسد صبرا هو أنه يستخدم الهاتف الأرجواني 018. شكّك فريق الدفاع عن حقوق صبرا ومصالحه في صحة مزاعم الادعاء لأن هذا الهاتف يبدو أنه يعود لشخص لا علاقة له بالجريمة يدعى أسعد سلّوم. حسم الحكم هذا الأمر بالقول إن «على غرفة المحاكمة أن تستخلص أن فشل المدعي العام الواضح في التحقيق بهذه النظرية البديلة (ما تقدم به فريق الدفاع عن صبرا) يسمح بالاستنتاج أن السيد سلوم يمكن أن يكون مستخدم الهاتف» (الصفحة 1279 الفقرة 3962). يعني ذلك بكل بساطة أن المدعي العام وفريقه لم يقوموا بواجباتهم الوظيفية ما يحتم على المحكمة قبول ما تقدم به الدفاع من دون أن يقوم الادعاء بتقديم إثباتات تشير الى صحة مزاعمه. واللافت هو ما بدا استسهال المدعي العام الكندي نورمان فاريل في التخلي عن مزاعمه وعدم تمسكه بما جاء في نص القرار الاتهامي.

6- الشبكة الخضراء

قام مكتب المدعي العام بتحقيقات وأبحاث مكثفة تتعلق بشبكات الهواتف وحدّد مجموعات من الهواتف قال إنها تشكل شبكات استُخدمت لمراقبة تحركات الرئيس رفيق الحريري قبل اغتياله وتنفيذ هجوم 14 شباط. ومن بين هذه الشبكات الشبكة الخضراء التي عدّها شبكة القيادة. واستند في القرار الاتهامي إلى تحليلات خبرائه وأدلته الظرفية ليحسم أن السيد حسن مرعي والسيد مصطفى بدر الدين كانا جزءاً من الشبكة الخضراء وأنهما من قادة المؤامرة الجنائية. لكن جاء في نص الحكم أن «المدعي العام فشل في إثبات دون أدنى شك معقول، أن مرعي كان يستخدم هاتفاً أخضر» (الصفحة 6 الفقرة 29). أما بشأن وظيفة الشبكة الخضراء المزعومة فحكمت المحكمة بأنها «غير مقتنعة بأن الشبكة الخضراء استخدمت لقيادة المهمّة (اغتيال الحريري)» (الصفحة 1573 الفقرة 4741) واعتبرت أن «هناك احتمالاً، أن يكون للشبكة الخضراء مهامّ أخرى» (الصفحة 1574 الفقرة 4743).

7- مصدر المتفجرات مجهول

«لم تتلقّ غرفة المحاكمة أي دليل جنائي عن مصدر الـRDX (المواد المتفجرة التي تبين أنها استُخدمت في هجوم 14 شباط 2005)» وبالتالي فإن عشرات المحققين في مكتب المدعي العام ومئات الضباط في فرع المعلومات والجيش والشرطة القضائية والأمن العام والجمارك والمخابرات عجزوا خلال 15 سنة من التحقيقات المتواصلة بمساعدة الانتربول وأجهزة استخبارات أميركية وغربية وعربية على العثور على مصدر أكثر من 2000 كيلوغرام من المتفجرات في بلد صغير وُضع تحت المجهر. هذا الإخفاق فاضح ومدوّ وقد يشير إما الى عدم قيام المحققين بعملهم لأسباب مجهولة وإما الى عجزهم عن القيام بعملهم ما يقتضي تغيير أسلوب التحقيق الجنائي.

8- حجم الانفجار غير محدّد

بالرغم من التحقيقات المكثفة في مسرح الجريمة وعشرات الفرق المتخصصة التي استُقدمت للعمل فيه والخبراء الدوليين الذين تقاضوا أموالاً من المحكمة فشل الادعاء العام في تحديد خصوصيات أداة جريمة 14 شباط 2005. حيث أكد القضاة في نص الحكم أن « الانفجار يوازي بين 2500 و3000 كيلوغرام من التي ان تي، لكن لم يتم تحديد حجم الانفجار بشكل دقيق» (الصفحة 1 الفقرة 3).

9- المؤامرة

بما أن المدعي العام كان قد ادعى على ثلاثة من المتهمين الأربعة بجريمة المؤامرة الجنائية توقّع القضاة أن يقدم قرائن بشأن تفاصيل المؤامرة أو بالحد الأدنى بعض المعطيات الأساسية التي تثبت وقوعها. لكن بين الصفحة 19 والصفحة 25 يعرض نص الحكم تناقضات في تحديد المدعي العام موعد انضمام المتهمين الى المؤامرة المزعومة. وصحيح أن غرفة الدرجة الأولى لم تعترض على عدم تحديد ذلك الموعد بدقة غير أنها سلّمت بأن المدعي العام فشل في تقديم أدلة تثبت أن السادة عنيسي ومرعي وصبرا كانوا جزءاً منها.

10- دليل ضعيف

«الدلائل ضد المتهمين هي دلائل ظرفية. الدليل الوحيد المباشر هو دليل عدّته غرفة المحاكمة ضعيف المصداقية لدرجة لا تتيح استخدامه ضد السيد عنيسي» (الصفحة 7 الفقرة 31). يعني ذلك أن المدعي العام فشل في إثبات مصداقية الدليل المباشر الوحيد الذي استند اليه في سعيه لإدانة المتهمين الأربعة. وبالتالي لم يكن أمام القضاة خيار إلا تثبيت براءة ثلاثة منهم. أما المتهم الرابع فيأتي شرح ما استند اليه القضاة لإدانته لاحقاً في نص هذه القراءة الأوّلية.

11- غياب الشهود

«لم يكن هناك أي دليل على تعرّف أي شاهد على أي من المتهمين أو على أي واقعة ملموسة. ولم تقتنع غرفة المحاكمة بمصداقية مسار التعريف الذي انتهجه المدعي العام في محاولته لتحديد السيد عنيسي من خلال مجموعة صوَر وبالتالي تم إهمال هذا الدليل» (الصفحة 92 الفقرة 323). يعني ذلك أن طوال مدة التحقيق، فشل المدعي العام في العثور على شاهد واحد يمكن أن يتعرّف إلى المتهمين أو يحدد بشكل مباشر اية معلومات حسّية تتعلق بهم. بل اقتصر نهج المدعي العام على تحديد أصحاب الهواتف من خلال التزامن المكاني (ويأتي الشرح لاحقاً في نص هذه القراءة الأولية). أما «مسار التعريف» لأحد الشهود فتبين للقضاة أنه لا يتناسب مع المعايير القانونية وأن عمل محققي المدعي العام في هذا الشأن يفتقر الى المصداقية لأنه غير مهني ولا يستند الى إجراءات معتمدة في التحقيقات المحترفة.

12- أين فيديو أبو عدس؟

«لم تتلقّ غرفة المحاكمة أي دليل جنائي يتعلق بالفيديو (فيديو أبو عدس) ولا بالرسالة أو الظرف، كما لم يصل اليها أي دليل عن تسلسل الإجراءات منذ تسلّم السيد للفيديو حتى تسليمه الى القاضي المحقق ميشال أبو عرّاج» (الصفحة 1765 الفقرة 5340) يعني ذلك أن المدعي العام وعشرات المحققين التابعين له أخفقوا في تحديد أي معلومة مفيدة عن الفيديو الذي ظهر فيه أبو عدس والذي كان قد وُضع على غصن شجرة في وسط بيروت. وهذا الإخفاق أساسي لأن شريط الفيديو هو بمثابة الدليل الحسي الوحيد الذي كان بحوزة أشخاص ضالعين بشكل أكيد بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وآخرين يوم 14 شباط 2005. وبالتالي يبدو أن مكتب المدعي العام قد فشل في الاستفادة من هذا الدليل فشلاً واضحاً.

13- لا دليل على اجتماع المتهمين

كان لافتاً الترابط المزعوم بين المتهمين الأربعة بينما لم يقدم المدعي العام دليلاً على اجتماعهم أو على لقائهم قبل وقوع الهجوم أو بعده. ولكن بسبب تركيز المدعي العام على ضلوعهم في مؤامرة جنائية فـ«بما أن القضية الموجهة ضد عنيسي وصبرا قد فشلت، فإن القضية الموجهة ضد مرعي كذلك فشلت» (الصفحة 7 الفقرة 30).

14- القضاة لم يقتنعوا

يذكر نص الحكم بوضوح فشل المدعي العام في إثبات أي علاقة للمتهمين عنيسي وصبرا برواية «محمد» التي أدلى بها أحد شهود المدعي العام زوراً (التي ستناولها لاحقاً). كما فشل المدعي العام في إقناع القضاة بأن المتهمين كانوا في محيط جامعة بيروت العربية خلال شهرَي كانون الأول 2004 وكانون الثاني 2005 وهي الفترة التي زعم الشاهد السري أنه التقى فيها السيد عنيسي في مسجد الحوري.

15- المحقق الفاشل

يذكر الحكم بعبارات مباشرة إخفاقات مهنية تدل على نقص فاضح في احتراف المحققين الذين اعتمدهم مكتب المدعي العام، علماً أن هؤلاء يفترض أن يكونوا أكفأ المحققين ومن طراز رفيع. حيث جاء في نص الحكم: «في إغفال لافت خلال تحقيق استنطاقي مصمم لجمع أدلة عن السيد صبرا، بما في ذلك مكان إقامته عام 2004 حتى عام 2005، لم يطرح المحقق على السيد علاء الدين (جار صبرا المزعوم) أي سؤال عن معرفته بالمدة التي سكن خلالها السيد صبرا وعائلته في هذا العنوان». (الصفحة 1254 الفقرة 3867) وكان لافتاً عدم إضافة مرجع على هذه الفقرة في نص الحكم وكأن القضاة أو فريق صياغة الحكم في دوائر القضاة يريدون تجهيل هوية المحقق الفاشل لعدم تعريضه للمساءلة على أدائه المتخلّف. على أي حال جاء في الحكم إشارة إضافية الى ضعف أداء المحققين أنهم «لم يطلبوا من الشاهد تحديد العنوان على خريطة» (الصفحة 1254 الفقرة 3866).

16- «اتهام» قوى الأمن الداخلي

لقد أخفق المدعي العام وخبراؤه في القيام بالتحقيقات المطلوبة في سعيهم لإثبات ضلوع السيد أسد صبرا في جريمة 14 شباط 2005 حيث إن نص الحكم يشير بشكل واضح الى عدم قيام «خبير» الادعاء دونالدسون والادعاء العام بـ«التدقيق بنمط استخدام صبرا لرقم الهاتف» الذي زعموا أنه يعود له (الصفحة 1290 الفقرة 4011). وقد يفهم أن هذا التقصير كان مقصوداً ربما لأن المدعي العام كان يعلم بأن القرائن التي قدّمها في سعيه لإدانة السيد صبرا كانت هزيلة منذ بداية التحقيق وأنها تفتقد الى المصداقية. وكان بعض الموظفين في المحكمة قد عبّروا عن ذلك لبعض زملائهم في لاهاي خلال السنوات السابقة خلال نقاشات جانبية معهم. وبدا في نص الحكم محاولة تنصّل من مسؤولية اتهام صبرا في الأساس ولوم غير مباشر لقوى الأمن الداخلي (الرائد الشهيد وسام عيد) على هذا الخطأ من خلال تحديد مصدر الاشتباه بصبرا. حيث جاء في الحكم: «وصلت معلومات إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلة من قوى الأمن الداخلي تتعلق بثلاثة هواتف أرجوانية بما في ذلك الهاتف الأرجواني 018 الذي له علاقة محتملة بنشر الفيديو الذي يحدد مسؤولية هجوم 14 شباط» (الصفحة 1266 الفقرة 3909).

17- لا دليل على صلة الهواتف بالشاحنة

بالرغم من سنوات من عمل عشرات خبراء المدعي العام على تحليل حركة الاتصالات وطبيعة الشبكات المزعومة وهوية مستخدميها، عجزوا عن العثور على دلائل موثوقة ومقنعة وكافية للحسم بأن أياً من «الشبكات الهاتفية» كانت لها علاقة بشراء شاحنة الميتسوبيشي التي استخدمت في الهجوم او بتفخيخها. حيث ورد في نص الحكم: «لم تتلق غرفة المحاكمة دلائل كافية لتحسم دون أدنى شك معقول، أن لأي من شبكات الهواتف دوراً في شراء الكانتر (الميتسوبيشي)، أو ما فعله أي من مستخدمي الهواتف بعد ذلك لتجهيزها للاستخدام في الانفجار يوم الاثنين 14 شباط 2005» (الصفحة 1598 الفقرة 4795).

18- الشاهد المسيَّس

إن أحد أبرز إخفاقات المدعي العام وفريق عمله الذي يتألف من محققين دوليين (معظمهم أوروبيون) ولبنانيين وعرب جاء في اعتماد «رواية محمّد» وهي تعدّ الدليل المباشر الوحيد الذي استند اليه الادعاء في سعيه لإدانة المتهمين الأربعة. هو الدليل المباشر لأنه يعتمد على إفادة شاهد لبناني سرّي ادعى أنه تعرّف الى حسين عنيسي في مسجد الحوري (الجامعة العربية) قبل أن يتعرف الى أحمد أبو عدس (الشخص الذي اختفى ونشر فيديو يحدد المسؤولية عن اغتيال الحريري). وكان هذا الشاهد (بما أنه الشاهد المباشر الوحيد فيمكن عدّه «الشاهد الملك» من دون منازع بالنسبة إلى المدعي العام) قد أدلى بشهادته أمام المحكمة وتبين بشكل قاطع أنه لا يتمتع بالمصداقية. واللافت أن لهذا الشاهد ارتباطات سياسية بحسب نص الحكم. «إن رواية محمد لا يمكن التأكد من صحتها وللشاهد ارتباطات سياسية محددة» (الصفحة 1648 الفقرة 4961). ويحسم الحكم عجز الادعاء بذكره أن «غرفة المحاكمة خلصت الى أن المدعي العام لم يثبت دون أدنى شك معقول أن السيد أبو عدس التقى شخصاً يدعى محمد في المسجد بين شهري كانون الأول 2004 وكانون الثاني 2005 وعلّمه الصلاة» (الصفحة 1655 الفقرة 4990). علماً أن «رواية محمد» تعدّ أحد أسس قضية الادعاء ضد عنيسي ومرعي وصبرا في المحكمة الخاصة بلبنان (الصفحة 1740 الفقرة 5255).

19- محققون هواة

هذا الإخفاق مرتبط بالإخفاق السابق، غير أننا خصّصنا فقرة خاصة به لأنه أبلغ ما يدل على نقص المهنية والاحتراف في عمل المحققين الدوليين الذين بدوا هواة ومبتدئين في العمل القضائي الصحيح. بدوا وكأنّ شاهداً يمكن أن يجافي الحقيقة أمامهم ولا يكترثون. وما هو أخطر من ذلك هو احتمال أن يكونوا قد انتبهوا إلى مجافاة الحقيقة ولكنهم لم يسحبوا الشاهد ظناً منهم أن بإمكانهم إقناع المحكمة برواية كاذبة. على أي حال يبدو أن المدعي العام تنبه إلى ذلك من خلال اعترافه الخجول بوصفه شهادة شاهده السري بـ«المتعارضة بشكل ما» (somewhat inconsistent) غير أنه لم يسحبها (الصفحة 1743 الفقرة 5266). فهل كان يراهن على احتمال عدم تنبه القضاة إلى عدم صدقية الشاهد؟ ألا يدل ذلك على نوايا المدعي العام ومستور أخلاقياته؟

محققو المدعي العام كانوا قد جمعوا صوراً لعدد من الأشخاص من بينهم المتهم حسين عنيسي ووضعوها في لوح (photo board) عُرض على الشاهد السري ليتمكن من تحديد الشخص الذي التقاه في مسجد الحوري (الجامعة العربية) خلال كانون الثاني 2005. وكان محقق «خبير» سويسري يدعى لورنزو لانزي قد صمّم لوح الصور قبل عرضه على الشاهد السرّي، وذلك بمعاونة المحقق غزافييه لاروش مع «خبير» ثالث لم يرد اسمه في نص الحكم. وعرض المحقق غلين ويليامز لوح الصور على الشاهد. (الصفحة 1660 الفقرة 5006).

الإخفاق المهني الأول في هذا الإطار، والذي يتحمل مسؤوليته المدعي العام وهؤلاء المحققون الغربيون، جاء من خلال إضافة صور لأشخاص من أقرباء المتهم صبرا في لوح الصور الذي وُضعت فيه أيضاً صورة المتهم عنيسي. واللافت أن لورنزو وويلميامز ادّعيا انهما لم يعلما بوجود صور لأقارب المتهمين على لوح الصور (الصفحة 1661 الفقرة 5007). على أي حال أن وضع صور أقارب المتهمين على لوح التعريف لا يتناسب مع المعايير المهنية بحسب الخبير الألماني الذي أتى به الدفاع البروفسور سيغفريد لودفيك سبورر. وأخذت المحكمة بكل ملاحظات هذا الخبير الدولي الأكاديمي المعروف بصدقيته وبدقة شهاداته التقنية في المحاكم الألمانية.

الإخفاق المهني الثاني في هذا الإطار يكمن في اعتراف لورنزو بأن هناك فارقاً كبيراً في العمر بين صور الأشخاص الذين وُضعوا على اللوح (الصفحة 1661 الفقرة 5008). ويشكل ذلك بحسب البروفسور سبورر تجاوزاً إضافياً لأبسط المعايير المهنية.
الإخفاق المهني الثالث برز خلال عرض لوح الصور على الشاهد السري، حيث تردد نحو عشر دقائق قبل أن يشير الى صورة عنيسي ويقابل ذلك بهزّ رأس المحقق ويليامز(الصفحة 1663 الفقرة 5012) في إشارة تعبر عن الرضى. وبحسب المحكمة «يشكل ذلك ردة فعل تبعت التعريف كان يجب تجنبها» (الصفحة 1666 الفقرة 5022).

خلصت المحكمة بالقول بأن عملية تحديد عنيسي من قبل الشاهد السري شابتها «عيوب كثيرة» (many flaws) (الصفحة 1683 الفقرة 5081). وجاء ذلك تكراراً لما ذُكر في نص الحكم عن «أن المشاكل الكبيرة في تحديد الشاهد للمتهم تكمن في عيوب إجراءات التعريف التي اعتُمدت» من قبل مكتب المدعي العام (الصفحة 1679 الفقرة 5068).

20- أين أبو عدس؟

فشل المدعي العام والمحققون الذين اعتمدهم في جمع أي معلومات عن مصير أحمد أبو عدس واذا كان ما زال على قيد الحياة (الصفحة 1893 الفقرة 5772). «وبعد اطلاعها على كامل الأدلة، لا يمكن لغرفة المحاكمة أن تحسم إذا كان السيد أبو عدس قد أُرغم بأن يشارك في تسجيل الفيديو أو إذا كان قد قام بذلك بملء إرادته» (الصفحة 1892 الفقرة 5771). علماً أن أبو عدس كان يقيم في منطقة مكتظة (الطريق الجديدة) وأنه كان يزاول أماكن محددة بانتظام وقد قابل المحققون أهله ومعارفه وأصدقاءه. لكن بالرغم من عملية بحث دامت 15 سنة لم يعثر المحققون على أي أثر له ولا يمكن حسم مصيره.

خلاصة الإخفاقات

إن إخفاقات المدعي العام والمحققين التابعين له التي عددنا بعضاً منها في عشرين فقرة، بعد الاطلاع على كامل نص الحكم، تدل على الآتي:

– إن معظم خلاصات التحقيق التي توصل اليها مكتب المدعي العام مصدرها التحقيق الذي أجري بإشراف القضاء اللبناني قبل انتقال الاختصاص الى المحكمة الخاصة بلبنان يوم الأول من آذار 2009. ولا بد من الإشارة هنا الى أن شبكة الهواتف الحمراء التي يزعم المدعي العام أنها استُخدمت لتنفيذ الهجوم يوم 14 شباط 2005 لم يكتشفها المدعي العام الدولي ولا لجنة التحقيق الدولية المستقلة ولا حتى فرع المعلومات والرائد الشهيد وسام عيد. بل من اكتشفها كان ضابطاً في الجيش اللبناني هو العميد غسّان الطفيلي. ولم يحظ الطفيلي بأي تنويه لعمله بل على العكس اشتبه فيه وخضع للتحقيق بطريقة مخالفة لأبسط المعايير القانونية.

– لم يكن أداء المدعي العام الدولي ولا المحققين التابعين له أفضل حال من المحقق العدلي اللبناني والمحققين اللبنانيين، حيث إن إخفاقات المحققين الدوليين الذين تقاضوا رواتب تتجاوز بأضعاف رواتب المحققين اللبنانيين، لا تقلّ عن إخفاقات المحققين اللبنانيين الذين لم تكن لديهم لا الخبرات التقنية المتقدمة ولا العتاد ولا التعاون الاستخباري الإقليمي والدولي.
– يصعب تحديد سبب إخفاقات المدعي العام والمحققين التابعين له، حيث يمكن أن يكون بعضها غير مقصود وبسبب نقص في الكفاءة كما يمكن أن يكون مقصوداً لأسباب مجهولة. إن الاشتباه في احتمال أن يكون بعض الإخفاقات عن قصد مصدره استغراب غياب بعض الإجراءات البديهية في التحقيق الجنائي. فمثلاً يُستغرب عدم طرح بعض الأسئلة البديهية على شاهد في التحقيق في قضية صبرا، كما يُستغرب مضي المدعي العام برواية محمد بالرغم من تشكيكه في مصداقية الشاهد السري، ويُستغرب كذلك اتكال المدعي العام على محقق لا يجيد المعايير المهنية والقانونية لتحديد الشاهد لهوية شخص آخر.

الخبيرة الاسرائيلية

استند المدعي العام (في المحكمة الخاصة بلبنان) في عمله الى 134 خبيراً، لكنه «لم يقم بتلخيص سيرهم الذاتية لمعرفة كفاءاتهم والتقارير التي قدموها والتي بلغ حجمها 8700 صفحة» (الصفحة 2279 الفقرة 190). ولكن «في النهاية استند المدعي العام إلى دلائل قدمها عشرون خبيراً. يعني ذلك أن الدلائل التي قدمها 114 خبيراً من أصل 134 خبيراً مقترحاً وردت أسماؤهم في قائمة القرائن في تشرين الثاني 2012، لا صلة لها بهذه المحكمة» (الصفحة 2279 الفقرة 191). علماً أن مكتب المدعي العام كان قد سدّد أتعاب جميع «الخبراء» بمن في ذلك أولئك الذين قال رئيس غرفة المحاكمة بأن لا صلة لشهاداتهم بالمحكمة. ولا بد من التساؤل عن جدوى عمل هؤلاء «الخبراء» بما أن عملهم لم يؤخذ به في القضية.
من بين الخبراء الذين اعتمدهم المدعي العام «خبيرة» إسرائيلية (خدمت في الجيش الإسرائيلي) تدعى ريتا كاتز (الصفحة 1877 الفقرة 5714 – المرجع 10606) خدمت في التسعينيات في جيش العدو الإسرائيلي ثم انتقلت الى الولايات المتحدة مع عائلتها حيث أسست معهد «سايت» عام 2002 وهو متخصّص بالمعلومات الاستخبارية عن المجموعات الإرهابية. وجاء في نص الحكم أن جميع المحامين المكلفين الدفاع عن حقوق المتهمين ومصالحهم كانوا قد اعترضوا على شهادتها. وجاءت موافقة القضاة على تقديم شهادة كاتز بالرغم من وجود القاضية اللبنانية ميشلين بريدي بينهم. والأكثر استغراباً هو أن القاضية جويس تابت كانت تشغل منصب نائبة المدعي العام الدولي يوم قرّر زملاؤها الاتصال والاستعانة بالإسرائيلية كاتز. ويشكل ذلك تجاوزاً واضحاً للقانون اللبناني وتواصلاً غير مشروع مع العدو الإسرائيلي المتمثل هنا بضابطة احتياط سابقة في جيشه. على أي حال جاء في نص الحكم أن موعداً كان قد حُدد لحضور كاتز جلسة محاكمة عبر الإنترنت (الصفحة 1878 الفقرة 5715) غير «أن الشاهدة لم تقدم شهادتها في هذه القضية» (الصفحة 1878 الفقرة 5716) ولم يرد أي تفسير إضافي يشرح أسباب عدم التمكن من الاستماع الى شهادتها بينما كانت قد تقاضت بدل أتعابها من المحكمة. يعني أن الدولة اللبنانية سدّدت نصف ما تقاضته الإسرائيلية.

تعاون لبنان مع الدفاع غير كافٍ

بدا واضحاً أن تعاون السلطات الرسمية اللبنانية وبشكل خاص تعاون الادعاء العام وقوى الأمن الداخلي وسائر الدوائر الحكومية مع المحكمة الخاصة بلبنان كان قائماً باستمرار منذ انطلاق عملها عام 2009. غير أن هذا التعاون كان مع المحققين الدوليين والموظفين التابعين لمكتب المدعي العام الدولي بينما لم يكن هناك تعاون كاف مع فرق الدفاع. وكأنّ القضاء اللبناني وقوى الأمن الداخلي اتخذوا موقفاً يحبذ مزاعم فريق الادعاء ولا يحترمون مبدأ قرينة البراءة ومبدأ التوازن بين الادعاء والدفاع. وقد ورد في الحكم بوضوح “رفض لبنان الاستجابة لطلبات الدفاع في الحصول على معلومات” (الصفحة 2276 الفقرة 178).

عكس ما أشيع

تناقلت وسائل إعلام وأوساط سياسية وشعبية أخباراً وتحليلات منذ عام 2005 نفى قضاة المحكمة الخاصة بلبنان صحتها:

– حسم الحكم بأن قرار مجلس الأمن الدولي 1559/2004 الذي “يدعو إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها” لم يكن للرئيس رفيق الحريري علاقة بصياغته أو إقراره أو تأييده بل أشار نص الحكم الى أن “وزير خارجية إسرائيل سيلفان شالوم كان قد أعلن ان الإسرائيليين يقفون خلف هذا القرار” (الصفحة 168 الفقرة 564) وبالتالي أقرت المحكمة أن هذا القرار لم يكن من دوافع هجوم 14 شباط 2005 كما كان شائعاً في لبنان.

– أشار الحكم كذلك إلى أن نقل السيارات والآليات من مسرح جريمة 14 شباط 2005 في محيط السان جورج الى ثكنة الحلو لم يكن له تأثير على مسار التحقيقات ولم يكن مضلّلاً لها كما كان أيضاً شائعاً في لبنان خلال السنوات الماضية. فالمحقق الخبير الإسباني الذي عمل مع فريق التحقيقات العلمية في القضية قدم إفادته أمام المحكمة مؤكداً أن “نقل السيارات من مسرح الجريمة الى ثكنة الحلو قبل فحصها لم يكن مشكلة بسبب إجراءات اتُّخذت لعدم فقدان الدلائل” (الصفحة 338 الفقرة 1049).

– إن الفيديو الذي تظهر فيه شاحنة الميتسوبيشي في النفق المؤدي الى مسرح الجريمة والذي انتشر بشكل واسع في لبنان، لم يثبت أن له علاقة بالجريمة. إذ “لم تقتنع غرفة المحاكمة بأن الميتسوبيشي شوهدت بالقرب من مكان الهجوم قبل وقوعه” (الصفحة 423 الفقرة 1295).

 

الأخبار – عمر نشابة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق