أعمال وأموالسياسة

في السباق بين مكافحة الفساد والانهيار المالي… الانهيار يتقدّم بأشواط

حسين  إبراهيم

في لبنان هذه الأيام، هناك سباق بين الانهيار المالي الذي يحذّر كثيرون في الداخل والخارج من انه بات وشيكا، وبين جهود الإصلاح ومحاربة الفساد التي تبدو حتى الآن مترددة. فعلى صعيد مكافحة الفساد هناك بعض الجهود الخجولة، وتطاول بعض القشور، وليس جوهر الفساد الكبير الذي يجفف موارد البلاد. أما على صعيد الاصلاح فلا شيء يذكر إلى الآن.

الملمح الواعد الوحيد هو ما يجري في الجسم القضائي. ورغم انه يبدو ان الأمور تسير على استحياء، الا ان الاجراءات هناك هي الاكثر جدية وتدحرجا. واذا كان ذلك مقصودا من القوة الدافعة الرئيسية وراء الإصلاح، فإنه يمكن ان يحمل تباشير امل، باعتبار انه لا يمكن الحديث عن محاربة فساد من دون قضاء سليم.

أما في الحديث عن الإصلاح، فإن الموازنة هي عقدة المنشار. فإذا لم تتضمن إجراءات تزيد الواردات وتخفض النفقات، فلن تؤدي إجراءات مكافحة الفساد، حتى لو تخلت عن قفازاتها وخجلها، الى نتيجة كبيرة.

وما تسرب عن الموازنة التي أعدها وزير المال علي حسن خليل، ليس مبشرا بالكثير، رغم بعض إجراءات وقف الهدر، مثل إلغاء بعض الإعفاءات الجمركية ووقف المساعدات لجمعيات وهمية (هذا البند يجب ان يذهب الى القضاء. فإذا كان معروفا ان هذه الجمعيات وهمية، فلماذا جرت مساعدتها من الأساس. أما وقد عرفنا الان انها وهمية، فأقل الواجب هو محاسبة اصحاب هذه الجمعيات ومن قرر من المسؤولين مساعدتها).

ما ينطبق على الجمعيات ينطبق على المدارس الخاصة المجانية. هل يوجد مدارس خاصة مجانية في لبنان؟ وحتى المدارس التي تملكها المؤسسات الدينية للطوائف المختلفة، والتي يفترض أن تكون ضمن الرسالة الدينية للقيمين على تلك الطوائف، تحولت أداة لتوليد الأرباح الهائلة، بشكل لا يقل جشعا عن تلك المملوكة لأفراد ليس لهم هدف سوى الربح، وذلك في غياب أي رقابة للدولة.

وما ينسحب على هذه وتلك، يمكن قوله أيضا عن المستشفيات الخاصة التي تتقاضى أسعارا خيالية من الدولة لقاء خدماتها لمرضى الجهات الحكومية الضامنة، ولا سيما وزارة الصحة، كما يمكن قوله عن بعض المستشفيات الحكومية التي حولها مديروها إلى ما يشبه الملكية الخاصة.

وقف كل هذه السرقات ومحاسبة المتسبّبين بها ضروري ومهم، لكن ليس هذا هو الاصلاح. هذا يدخل ضمن قمع الجرائم والمخالفات.

فالإصلاح المالي يبدأ بالضريبة، بمعنى فرض ضرائب تصاعدية على الأرباح الهائلة مثل أرباح البنوك والشركات الكبرى، حيث تصل هذه الضريبة في بعض الدول المتقدمة الى ما يزيد على 50 في المئة. بينما الضريبة على أرباح البنوك عندنا 17 في المئة فقط،،وأقل من ذلك على الشركات.

ونعم لا بأس من إعادة النظر بسلسلة الرتب والرواتب، التي نفخت رواتب الكثير من الموظفين بشكل غير مبرر، مقابل أداء وإنتاجية تقارب الصفر أو تدنو في الكثير من الحالات، أي أنها تلحق ضررا. مثل الموظف الذي يتقاضى رشى. ولا يمكن ان يستقيم أداء موظفي الدولة، الا اذا تم الربط بين الراتب والاداء.

والأهم من هذه وتلك، فرض ضرائب على مكلفين بعضهم كبار، لا يغطيهم اي نظام ضريبي حتى الان. على سبيل المثال لا الحصر، اصحاب السوبرماركات الكبرى وسلاسل الميني ماركت، وأصحاب المهن. وغير صحيح القول بأن هؤلاء يدفعون من خلال الضريبة على القيمة المضافة، فهذه يدفعها المستهلك.

وطبعا مقابل ذلك، يجب استحداث تقديمات تشمل كل المواطنين المهمشين، ومن ضمنهم العاطلون عن العمل، الذين يدفعون ثمنا باهظا للأزمة المالية والاقتصادية، وهم أكثر المتضررين من “العلاجات” التي طاولت قطاعات الموظفين، ولا سيما الحكوميين منهم، عبر السلسلة مثلا.

يجب أن يحصل هؤلاء على تقديمات مادية إلى حين عثورهم على وظائف من خلال وزارة العمل، أو مكتب عمل يقام لهذه الغاية. وفي أساس هذه التقديمات التغطية الصحية لكل اللبنانيين وضمان الشيخوخة. 

في السباق القائم بين الانهيار المالي، وبين الاصلاح ومحاربة الفساد، الأسبقية حتى الان للانهيار…. وبأشواط كبيرة جدا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق