سياسة

فرنسيس فورد… سلامة

حسين إبراهيم

تصرف حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مع المودعين في المصارف اللبنانية مثلما يتصرف الحلاقون مع الأطفال الصغار. فحين يبدأ الطفل بالبكاء، يقول له الحلاق إنه لن يقص له شعره، وذلك في أثناء عملية القص نفسها.

هكذا ضحك رياض سلامة على المودعين بالليرة اللبنانية حتى الآن، اذ احتجز أموالهم حتى انخفضت قيمتها بما يزيد عن 40 في المئة حتى اللحظة. يستعد سلامة الآن لقص شعر الأطفال الأكبر سنا قليلا، اي المودعين بالدولار الأميركي من خلال تلميحه قبل أيام الى ان المصارف ليست مجبرة على اعادة الأموال للمودعين بالدولار، اي انه يمكنها اعادة هذه الأموال بالليرة اللبنانية. ومن ثم طلبه قوننة عملية الكابيتول كونترول، التي بات يمكن الآن تطبيقها وفق مسطرة واحدة بعد اتاحة وقت اكثر من كاف لمن يريد من الكبار تهريب أمواله إلى الخارج، حتى لا يطالها لا كابيتال كونترول ولا حلاقة.

عليه، من السذاجة الاعتقاد أن رياض سلامة يتصرف من تلقاء نفسه، أو بمفرده، فهو ليس ملك ملوك افريقيا، رغم انه يقترب شيئا فشيئا من مساواة القذافي في البقاء على رأس جماهيريته الصغيرة المسماة مصرف لبنان، وعلى الرغم من أن الظروف الاقتصادية اللبنانية قد تقتضي بقاءه حتى يلامس فترة قابوس الراحل عنا قبل أيام، اذا أمد الله في عمره.

رياض سلامة ببساطة هو منفذ شاطر لما تطلبه عصابات المافيا المسيطرة على السلطة في لبنان، منذ ما ينوف عن ثلاثين عاما. والإجراءات التي يتخذها الان تكاد تنقذ هذه المافيا من براثن الانتفاضة التي قامت في الأساس ضدها،  من خلال بهلونياته المالية، يساعده في ذلك  تشتيت زخمها عبر تدخل الخبثاء في الداخل والخارج، ولا سيما منهم الممولون من قبل الولايات المتحدة الأميركية والغرب عموما.

قص الشعر هذا أتاح لزعماء المافيا اللبنانيين الذين لو تخيل فرانسيس فورد كوبولا الحد الذي يمكن أن يصلوا اليه، لاعتزل الإخراج قبل أن يضع فيلمه الشهير العراب، إمكانية البقاء في السلطة، من خلال تعويم مالية الدولة اللبنانية لفترة أطول والحفاظ على رواتب الموظفين ولا سيما منهم العسكريون ورجال الأمن الذين يقومون من حيث لا يدروا بالمحافظة على الأمن وعلى السلطة القائمة، ولكن على حساب المودعين ومن ضمنهم العسكريون والموظفون الذين تضرروا برواتبهم ومدخراتهم على السواء.

القطاع المصرفي الذي يتغنى بأنه عماد الاقتصاد اللبناني، ليس بعيدا عن هذه اللعبة المافياوية، فهو لم يعمل يوما وفق ما تقتضيه قواعد العمل المصرفي الحصيف، لا من حيث التركز الائتماني سواء بالانكشاف على الدين الحكومي اللبناني او على تذبذبات عملات بعض دول المنطقة  ولا سيما مصر وتركيا،  ولا من حيث تكوين مخصصات لإطفاء الخسائر التي كانت تطفأ من خلال عمليات حلب وسلب للأموال العامة يسمونها تلطيفا هندسات مالية. وأكثر وأكثر.

ان شعار يسقط حكم المصرف الذي رفع قبل سنوات من الانتفاضة ليس شعارا في الهواء، بل هو بمثابة وضع الإصبع على الجرح. سقط المصرف ولم يسقط حكمه بعد. سقط بعد ان انكشف القناع المصرفي عن دكاكين سياسية. وهذا القطاع لن تقوم له قائمة بعد الان، وبسببه سنظل فترة طويلة نخبئ مدخراتنا في المخدات والفرشات.

عندما جاءنا كبار الصحافيين الأجانب بعد استفحال الأزمة المالية، من أمثال كاتب العمود في صحيفة نيويورك تايمز روجر كوهين، ومراسلة شبكة سي ان ان، لم يضيعوا وقتهم مع أحد. توجهوا فورا للقاء مخرج الفيلم الذي تجري وقائعه الآن وعلى أرض الواقع فرنسيس فورد… سلامة.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق