سياسة

صفقة القرن: إعادة صياغة لحلم قديم

مجدولين درويش

كتب ماكس بوت في صحيفة “واشنطن بوست” عن تفاصيل “صفقة القرن”: “إن ما كشفه ترامب وننتياهو هو حملة علاقات عامة وليس خطة للسلام”. ويستطرد الكاتب قائلاً: “عندما تصنع السلام عليك أن تفعل ذلك مع أعدائك، لكن الأشخاص الوحيدين الذين كانوا موجودين في البيت الأبيض كانا ترامب ونتنياهو، ولم يكن هناك أي أثر لممثل فلسطيني”.

في الواقع هذا ما حصل في مؤتمر المنامة الذي دعا له كوشنير مستشار الرئيس ترامب تحت عنوان “السلام من أجل الإزدهار”، والذي اعتبر رشوة اقتصادية لتمرير هذه الصفقة، وشارك فيه عدد من رجال الأعمال من الدول العربية ومن مختلف أنحاء العالم بمن فيهم إسرائيليون ولم يحضره فلسطيني واحد.

بغض النظر عن بنود هذه الصفقة التي غيبت الوجود الفلسطيني، والإرادة الفلسطينية، فهي فعلياً طوق نجاة لترامب ولنتنياهو على حد سواء، فكليهما في مأزق يحاول الخروج منه، الأول الذي يواجه إمكانية عزله والثاني مدان في قضايا فساد، والإثنان يحتاجان رافعة في الانتخابات المقبلة. إنها صفقة تبادل المساعدة بين صديقين غارقين في المشكلات على حساب الحقوق الفلسطينينة، من مصادرة الأرض، إلى ضياع حق العودة، إلى تكريس السيادة الأمنية المطلقة للاحتلال وتكريس يهودية الدولة، وتكريس القدس عاصمة موحدة للكيان مقابل حي ابو ديس عاصمة لفلسطين. ولكن ترامب كان كريماً حين ترك الحرية للفلسطينيين أن يسموا هذا الحي بالقدس إن شاؤوا. ومهدداً حين قال إن هذه الصفقة ربما تكون فرصة أخيرة للسلام.

إنها مهزلة كبرى واستغباء للعقول. منح ترامب فلسطين للمحتل الإسرائيلي، وشرع له الاستيلاء على الضفة، التي أعلن نتنياهو عن رغبته بضمها قبيل الانتخابات الماضية، مقابل محاولة رشوة الفلسطينيين ببعض الهبات التي لن تغير شيئاً في واقعهم الصعب. وهي في الحقيقة ليست إلا تكريس لما هو قائم.

لم ينتبه ترامب للمتغيرات التي حدثت في المنطقة بعد مقتل سليماني، لم يتذكر القصف الصاروخي لقاعدة “عين الأسد” الذي تتوالى الأخبار تباعاً عن حجم الخسائر التي وقعت جرائه، ولا المظاهرات المليونية التي خرجت في العراق للمطالبة بخروج قواته من هناك، ولم يأخذ بعين الاعتبار صمود سوريا واليمن، ولا تصاعد قوة المقاومة في لبنان وفلسطين. فاته أن 102 عاماً مضت على وعد بلفور، والاتفاقيات التي حصلت بعده من كامب ديفيد إلى اتفاقية أوسلو إلى وداي عربة، لم تكسر أرادة الشعب الفلسطيني بتحرير أرضه وإقامة دولته.

هذه الصفقة المرفوضة ليس فلسطينياً وحسب، بل مرفوضة أيضاً من قبل الديمقراطيين الأميركيين، حيث وجه 12 سيناتوراً أميركياً بينهم ثلاثة مرشحين للرئاسة، رسالة إلى البيت الأبيض اعتبروا فيها الخطة “غير محايدة”، وإنها تعكس مصالح الطرف الواحد وسيكون لها تداعيات على عملية “السلام”. كذلك هو الأمر في إسرائيل حيث اعتبربعض المحللين السياسيين: ” إن الصفقة في صالح إسرائيل، ولكن مشكلتها أنه لا يوجد أي احتمال لتطبيقها على الأرض”.

على ماذا يراهن ترامب ونتنياهو؟ على خشبة نجاة في بحر هائج، مقبل على هيجان أكبر؟ هما يعرفان تماماً أن هذه الصفقة لن تمر، وأنها كما سابقاتها ليست إلا حبراً على ورق. ترامب هذا التاجر المغرور، يتصرف في السياسة كما في التجارة، معتقداً أنه يمتلك العالم وأن له الحق بإهداء ما شاء منه لمن يشاء. فلسطين ليست برج ترامب الدولي، وليست معروضة للبيع.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق